ابن تيمية

300

مجموعة الفتاوى

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا ؛ فَإِنَّهُ لِمَا عَلَيْهِ مِن الضَّرَرِ الْعَظِيمِ فِي الطَّلَاقِ أَعْظَمُ أَلَا يَفْعَلَ ذَلِكَ ؛ بَلْ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ شَرْعاً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْفَسَادُ النَّاشِئُ مِن الطَّلَاقِ أَعْظَمَ مِن الصَّلَاحِ الْحَاصِلِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ . وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ هِيَ الَّتِي أَزَالَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَأَنْ يَلِجَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ الْكَفَّارَةَ } . فَإِنْ قِيلَ : فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي أَحَدٍ هَذِهِ الضَّرَائِرِ الثَّلَاثِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِفَ ؟ قِيلَ : لَيْسَ فِي شَرِيعَتِنَا ذَنْبٌ إذَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا بِضَرَرِ عَظِيمٍ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا . فَهَبْ هَذَا قَدْ أَتَى كَبِيرَةً مِن الكَبَائِرِ فِي حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ تَابَ مِنْ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ فَكَيْفَ يُنَاسِبُ أُصُولَ شَرِيعَتِنَا أَنْ يَبْقَى أَثَرُ ذَلِكَ الذَّنْبِ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ مِنْهُ مَخْرَجاً وَهَذَا بِخِلَافِ الَّذِي يُنْشِئُ الطَّلَاقَ لَا بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا وَهُوَ مُرِيدٌ الطَّلَاقَ : إمَّا لِكَرَاهَةِ الْمَرْأَةِ أَوْ غَضَبٍ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ثَلَاثَةً فَإِذَا كَانَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالطَّلَاقِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : كَانَ وُقُوعُ الضَّرَرِ بِمِثْلِ هَذَا نَادِراً ؛ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَهُ لَمْ يَكُنْ الطَّلَاقَ ؛ إنَّمَا كَانَ أَنْ